الشيخ الأميني

2

الغدير

* ( الشعر والشعراء ) * ونحن لا نرى شعر السلف الصالح مجرد ألفاظ مسبوكة في بوتقة النظم ، أو كلمات منضدة على أسلاك القريض فحسب ، بل نحن نتلقاه بما هناك من الأبحاث الراقية في المعارف من علمي الكتاب والسنة ، إلى دروس عالية من الفلسفة والعبر والموعظة الحسنة والأخلاق ، أضف إليها ما فيه من فنون الأدب ، ومواد اللغة ، ومباني التاريخ ، فالشعر الحافل لهذه النواحي بغية العالم ، ومقصد الحكيم ، ومأرب الأخلاقي ، وطلبة الأديب ، وأمنية المؤرخ وقل : مرمى المجتمع البشري أجمع . وهناك للشعر المذهبي مآرب أخرى هي من أهل ما نجده في شعر السلف . ألا ؟ وهي الحجاج في المذهب ، والدعوة إلى الحق ، وبث فضايل آل الله ، ونشر روحيات العترة الطاهرة في المجتمع ، بصورة خلابة ، وأسلوب بديع ، يمازج الأرواح ، وويخالط الأدمغة ، فيبلغ هتافه القاصي والداني ، وتلوكه أشداق الموالي والمناوئ مهما علت في الكون عقيرته ، ودوخت الارجاء شهرته ، وشاع وذاع وطار صيته في الأقطار ، وقرطت به الآذان . مهما صار أحدوة تحدو بها الحداة ، وأغاني تغني بها الجواري في أندية الملوك والخلفاء والأمراء ، وتناغي بها الأمهات الرضع في المهود ، ويرقصنها بها بعد الفطام في الحجور ، ويلقنها الآباء أولادهم على حين نعومة الأظفار ، فينمو ويشب وفي صفحة قلبه أسطر نورية من الولاء المحض بسبب تلك الأهازيج ، وهذه الناحية ( الفارغة اليوم ) لا تسدها خطابة أي مفوه لسن ، ولا تلحقه دعاية أي متكلم ، كما يقصر دون إدراكها السيف والقلم . وأنت تجد تأثير الشعر الرائق في نفسيتك فوق أي دعاية وتبليغ ، فأي أحد يتلو ميمية الفرزدق فلا يكاد أن يطير شوقا إلى الممدوح وحبا له ؟ أو ينشد هاشميات الكميت فلا يمتلئ حجاجا للحق ؟ أو يترنم بعينية الحميري فلا يعلم أن الحق يدور علي الممدوح بها ؟ أو تلقى عليه تائية دعبل فلا يستاء لاضطهاد أهل الحق ؟ أو تصك سمعه ميمية الأمير أبي فراس فلا تقف شعرات جلدته ؟ ثم لا يجد كل عضو من يخاطب